حديث الصباح والمساء
الدنيا قصة قصيرة
.
.

عروس النيل

هل تعرفين النيل؟ ... هل جلست إليه يوما؟ ... هل ارتويت منه؟ ... ذلك الذي يسير منذ القدم إلى حتفه ...

كنا نهرب من هجير الحياة إليه ... ونركب صفحة مائه العطوفة في مركب صغير مرتحلين إلى تلك اللحظة الباهرة في عمر النيل ... تلك التي يصل فيها إلى نهاية رحلته حيث يلقى بكل عناء رحلته إلى البحر ... ولما كبرت بنا الحياة كنا نلجأ إليه في مواسم الحزن ... والفرح ... ومرح الشباب ... ومواسم العشق ... ولما دارت بنا الحياة ظل النيل كما عهدناه يسرى في جوانحنا حنينا إلى مواسم العشق التي ذهبت معه في رحلته إلى نهايتها تلك التي كنا نسهر فيها على غناء الست.

أقبل الليل يا حبيبي ... أقبل الليل و ناداني حنيني ... يا حبيبي

وسرت ذكراك طيفا هام في بحر ظنوني .... ينشر الماضي ظلالا كن أنسا وجلالا

فإذا قلبي يشتاق إلى عهد شجوني ... وإذا دمعي ينهل على رجع أنيني

يا هدى الحيران في ليل الضنى ..... أين أنت الآن ... بل أين أنا ؟

أنا قلب خفاق في دنيا الأشواق .... أنا روح هيمان في وادي الأشجان

تاه فكرى بين أوهامي وأطياف المنى .... لست أدرى يا حبيبي ... من أنا ... أين أنا

ثم أصبحت في كثير من الأحيان أجلس للنيل وحيدا فلم يعد هناك من يستحق السمر معه على شواطئه وأصبحت أهرب وحيدا إلي تلك اللحظة الرهيبة التي يلتقي فيها النيل بالبحر وأجلس متأملا ذاهبا بفكري كل مذهب ففي ساعات صفائي كنت أرى هذه اللحظة عناق أم لطفلها في حنان بالغ ... أو هي قبلة عاشق أوجع كبده طول الفراق ... أو هي التقاء فكرة بفكرة ... وفى ساعات حزني كنت أرى النيل دمعة سرت بهدوء على خد أم في انتظار غائب أخذ منها غدرا لا تعرف متى سيعود ... أو دمعة أب يقف كل ليلة قليلا على أول الطريق متطلعا لعل غائبه يعود ... أو هي دمعة عاشق هزمته حكمة الحياة الأزلية ومات حبيبه ... فلا يملك إلا أن يخلط دمعته بابتسامة يائس من عودته ... أو هي دمعة خاشع لله ذليلا كسيرا ساجدا يمرغ وجهه عند سيده لعل الله الرحيم يفتح له بابه.

وفى ساعاتك أنت التي كنت تملئين فيها دروب مشاعري كنت أعود إلى النيل أجلس هناك في نفس مكان النهاية أتأملها لا كساعات الصفاء ولا كساعات الحزن ... ولكن كمعنى من معانيك أنت ... كيف للنيل الذي يسرى منذ أزمنة بعيدة مرتحلا عابرا كل السدود والشقوق متجاوزا كل عقباته أن يصل لهذه النهاية ويكتب فيها بنفسه السطر الأخير ويلقى بنفسه في فضاء البحر ضائعا ذائبا متلاشيا هل يستحق بعد كل عناء رحلته أن يكتب هو سطره الأخير وتكون هنا نهايته هذه اللحظة التي أراه فيها.

هل تعرفين عن النيل شيئا الآن ؟ ... هل اشتاقت عيناك لتلك اللحظة الآسرة التي يندفع فيها النيل هاربا من تعبه وحزنه ملقيا بنفسه إلى أحضان الفضاء الواسع الرحيب ؟ ... هل تتمنين في لحظة عطش أن ترتوي منه ... غير أبهة للأسطورة التي تقول .... أن من يشرب مرة من ماء النيل لابد أن يعود إليه ؟ أم تتمنين أن تكوني عروسة النيل التي كانوا يزينوها فتكون أجمل ما تكون ... وأروع ما تكون ... لترتمي في حضنه تاركة نفسها لذراعيه الدافئتين ... متجاوزة خوفها .... وترددها ... وعجزها ... غارقة... ذائبة ... متلاشية فيه.

 

 

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.