حديث الصباح والمساء
الدنيا قصة قصيرة
.
.

أحزان خاصة

كل الأحزان تبدأ كبيرة ثم تأخذ فى الانزواء والاضمحلال حتى تتلاشى فى بحر النسيان إلا هذا الحزن الخاص فقد أتى مهيبا جليلا يعلوه سكون وصمت... كالآثار الإنسانية التى يتعاقب عليها الزمان وتتفانى بين يديه الأيام وهو فى مهابته وصمته شاهدا على لحظة إنسانية شديدة الخصوصية... جعلته صامدا على حاله إلى الأبد...

 

 انتصف الليل وانساب السكون حزينا على المكان والزمان.... هدؤ جليل... وسكينة عامة أستشعرها فى تلك الليلة... حين نادتنى أمى بصوتها الواهن... وطلبت أختى لتسألها... ماهذه الأصوات عندنا فى البيت... هل تنتظرون زيارة أحد؟ أسمع أصوات كثيرة... تبادلت أنا وأختى نظرات الحيرة والاستفهام التى اعتدنا عليها منذ مرضت أمى ثم قالت لها أختى لا أحد هنا... الجميع نائم... فسكتت أمى وواصلت رحلة صمتها الذى بدأته منذ أكثر من شهر... وعادت إلى عالمها الذى لم نعد نعلم عنه شيئا ولكننا نرى ونتطلع إلى مظاهره المحيرة...

 

حلمت أمى بأداء عمرة أخيرة قائلة: أريد أن أذهب لهذه العمرة لأغسل ذنوبى وأختم بها عمرى... كانت هذه نيتها التى تلفظت بها أمامنا... وفى مطار المدينة المنورة... وبعد لحظات قليلة من وصولها تعلقت قدمها بذراع الحقيبة ووقعت على جانبها الأيمن... لينجم عن هذا الوقوع كسر فى المفصل الأيمن فى مفاجأة كبيرة وهى لم تخرج  بعد من صالة المطار لمواصلة رحلتها لأداء مناسك عمرتها الأخيرة... وفى غضون أيام قلائل كانت أمى قد أجرت جراحة لتغيير المفصل... كانت فيها حريصة على أمرين... ألا نعلم بالخبر أبدا... والثانى أن تؤدى العمرة مهما كلفها ذلك... وتم لها ما أرادت فلم نعلم بالخبر إلا قبل وصولها بساعات... وأدت مناسك العمرة على كرسى متحرك بعد خمسة أيام من إجراء العملية الجراحية...

 

عادت أمى من العمرة متماسكة وقوية كما عودتنا... حدثتنا خالتى والتى كانت معها عن صبرها فى المحنة... عن تحملها المضنى للآلام والآه التى لم تخرج منها أبدا برغم أن أمى قد تجاوزت السبعين وقد كانت ذو بنية ضعيفة جدا... عادت حبيتنا... وحبيبة الجميع... وحين تماثلت للشفاء كان لله تعالى أمرا آخر... وله سبحانه الأمر من قبل ومن بعد...

 

فى تطور مفاجئ لنا بدأت أمى فى الانسحاب من الحياة والجنوح للصمت... والعزوف عن الطعام بشكل واضح... دون الاستجابة لتوسلاتنا... كنت أستشعر من نظرات أمى السابحة فى اللاشئ أنها سئمت الحياة... ولم تعد تشعر بدور ما لتقوم به فعزفت عنها متهيأة لرحلة أخرى... كانت تمارس طقوسها المعتادة بشكل طبيعى فلم تترك قيام الليل ولا أورادها القرآنية ولا صيامها ونوافلها... ولا متابعة مشروعها لحفظ القرآن الكريم والذى بدأته من فترة قريبة أتمت فيه حفظ البقرة وآل عمران... كان صمتها يعذبنا جميعا... وبدأنا فى التردد على الأطباء ناظرين للأمر على أنه حالة نفسية... ولكن كان الأمر على غير ماقدرنا جميعا...

 

كان أصعب مافى الأمر حين اكتشفنا مرضها العضال أنه فى مراحله الأخيرة... وأن هناك لحظة ما من الحياة نخاف منها تطرق الآن أبواب قلوبنا بعنف فترتجف لها... وتطفر الدموع من عيوننا لمجرد تخيل المشهد... الحقيقة الكبرى فى الحياة اقتربت وعلينا انتظارها والاستعداد لها... كانت الآلام المصاحبة لهذا النوع فوق الاحتمال... بالرغم أنها لم تئن لحظة... وعرفنا كذلك أن عزوفها عن الطعام هى أحد آثار المرض ونتيجته الطبيعية... أما عزوفها عن الكلام فحير الجميع... أما أنا... فكنت أراه من زاوية أخرى... كنت أراها وكأنها مسافر أعد حقيبته وقد اقترب موعد السفر ودنا... فجلس يتأمل حقيبته ويراجع زاد العمر الذى أعده لهذه الرحلة... ربما رأت الزاد لايبلغها... ربما استصغرت عملها... وكل المؤمنين يستصغرون عملهم... فكنت حريصا فى حواراتنا الخاصة والقليلة أن أحدثها دائما عن رحمة الله بعبده المؤمن... وأنه يقبل اليسير ويعفو عن الكثير...كنت أرى صمتها المحير كطائر يتأمل جناحيه اللذان سيعبر بهما فى رحلة العودة لموطنه الأصلى... سيعبر بهما تلك المسافة من الدنيا للآخرة... من دنيا الغرور والسراب إلى عوالم الحقيقة... هل هما قويان ليطير بهما أم سيهوى بهما الريح فى فضاء سحيق... وكان علينا جميعا أن نطل على المشهد الأخير... لحظة بلحظة... نتجرع مرارة الحقيقة قطرة قطرة... نرقب مشهد نهاية أمى... نهاية الحبيبة... نهاية رحلة طويلة من الكفاح والكد والكبد فى هذه الحياة...

 

الكون ساكن... سكونا غريبا... بالقرب منها بينى وبينها الفراغ الهادئ والسكون المهيب... أنا فى دنيا الغرور لا أدرى مايحدث حولنا أما هى فقد تبدت لها كشوف الحقيقة واستقبلت زائرين  لم أستطع أن أراهم ولكن شعورا ما مبهما كان يجتاحنى... ووقفت أمى بزاد رحلتها فى الحياة وجناحيها المتوثبان للحظة الفوز الحقيقية... تستعد لعبور المسافة بين الدنيا والآخرة... لم يبق على موعد الرحيل ودون أن ندرى إلا وقت قليل وعليها أن تتهيأ... سمعتها تنادى على بصوتها الواهن... اقتربت منها سألتها ماذا تريد لم ترد على... ولكنها كانت تزيح بيدها الضعيفة الغطاء عن جسدها حتى تكشفت... استحييت فتراجعت متحيرا... هل أغطيها؟... أم أتركها؟... وأنا لا أعرف ماذا تريد... فتراجعت  وجلست على باب الحجرة... وعلى ضؤ الممر الخافت وبصوت هامس رحت أتلو وردى القراءنى...

 

سألتها مرة فى محاولة لكسر حاجز الصمت... من تحبين من زوجات النبى صلى الله عليه وسلم متوقعا أن تقول عائشة لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها... ولكنها قالت بصوت واهن جدا... خديجة... فقلت لماذا؟ قالت لأنها وقفت بجانب النبى صلى الله عليه وسلم وساندته... فأخذنى المعنى... ورحت أتأمل سبب اختيارها لخديجة دون عائشة... وهو معنى جليل جدا... قال فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( والله ما أبدلنى الله خيرا منها... آمنت بى حين كفر الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس، و واستنى بمالها إذ حرمنى الناس )... ورحت أتذكر لأمى خدمتها للناس ونهضتها فى ذلك فما سألها أحد شئ وردته أبدا... وكنا ونحن صغارا لانعرف أبعاد الحياة وقيمتها نختلف معها جدا حين يعود أحد أبنائها الذين تأخروا فى العودة للبيت فلا يجد غداءه لأنها ببساطة أطعمته لضيف جاءها فجأة... فللضيف طقوس أهمها الطعام مهما كان وقت الزيارة... كنا نعاتبها كثيرا على كرمها الزائد المندفع على الرغم من قلة ماتملك... ولكنها لم تكن لترد أو تلتفت إلينا... كانت تفتح دارها للإخوان فى أى وقت وترحب بهم... قائلة لمن يعاتبها خوفا علينا... هؤلاء بركة الدنيا...

 

فى الأسبوعين الأخيرين انهارت صحتها بصورة متسارعة جدا... فقد كانت تذهب لقضاء حاجتها وحدها ثم تساندت على الجدار ثم تساندت علينا ثم لم تقبل أن نحملها أو أن نضعها على كرسى متحرك... وفى فراش مرضها عندما كانت تريد أن تتقلب تنادى على فأجلسها ثم أضمها إلى صدرى وأقبلها ثم أضعها على الجانب الآخر... ثم يحلو لها أن أضع يدى على مواضع ألمها وأدعو لها بما يفتح الله على من الأدعية... وكانت فى أحايين كثيرة تطلب ذلك منى فتقول ضع يدك هنا وادع لى... وكنت كلما أجلستها أضمها إلى صدرى أحاول أن أرتوى من دفئها وحنانها على قدر طاقتى قبل أن أفقده للأبد... قبل أن يرحل رحلته الخيرة... وأدع لها أدعية كلها تخاطب الله عز وجل بكلمات الرحمة... محاولا أن أذكرها دائما بهذا المعنى أن... ذات مرة قلت لها يا أمى الإنسان فى الحياة يعيش بين الخوف والرجاء أما فى مرضه فلا يليق به أن يخاف من الله... لأن الله تعالى فى مرض العبد المؤمن يكون سبحانه وتعالى فى شأن الرحمة فمن مقتضيات الأدب مع الله عز وجل وأن يحفظ هذا المقام ولا يظن بربه أبدا أنه يريد أن يعذبه... فتهز رأسها مؤمنة على كلامى...

 

كانت مولية لى ظهرها عند بداية تلاوتى للقرآن... وعند كل علامة ربع كنت أرفع رأسى لها لأطمئن عليها... فجأة وجدتها قد تقلبت وأصبح وجهها قبالتى... اندهشت كيف استطاعت ذلك وحدها؟... ناديت عليها فلم ترد... عدت للتلاوة وعند العلامة التالية فى المصحف رفعت رأسى لأطمئن عليها فوجدتها قد ولتنى ظهرها مرة أخرى وقد عاد الغطاء مرة أخرى ليغطى ماتكشف منها... وكأن أحد ما قد غطاها وأحسن تغطيتها بعناية كبيرة... اقشعر بدنى من هذا المشهد... كانت هذه أحدى المشاهد المتكررة من أمنا فى الأيام الأخيرة والتى كانت تحيرنا... هى أصبحت تعيش بجسدها معنا أما روحها فتعيش فى عالم آخر... قبل عدة أيام مالت على أختى مندهشة قائلة سألت امى هل أحضر لك طعام الغداء قالت لها بثقة: لماذا؟ لقد تناولت قطعة مكرونة باللبن... سألتها بعدها... هل أكلت مكرونة باللبن؟ قالت: نعم... قلت: هل كانت جميلة قالت: جدا.... قلت من أين أتت لك قالت: أطعمنيها الله... دمعت عيناى رحمة... وقلت الحمد لله... وبعدها بيومين استيقظت من النوم وطلبت ماء وصابون وفرشاة أسنان لتغسل يديها وأسنانها قالت أختى: لم؟ قالت: لقد تناولت طعام الغداء أرز وسمك... أو نجدها لاترد علينا ولا تلتفت لكلامنا وبعد فترة تقول كنت أصلى فكنا نحرص أن نجعلها على وضوء دائم...

 

عدت للتلاوة حتى أتممت قراءة جزأين من المصحف... أغلقت المصحف ثم تطلعت إلى أمى مخاطبا نفسى قائلا: قد يطول مرض أمك ولا أحد يعرف متى ستحين النهاية ربما بعد شهر شهرين ربما يطول الأمر لسنة أو أكثر وعلى أن أجدد نيتى فى أمى وأن أحتسب خدمتى لها عند الله عز وجل... وأن أنوى خدمتها مهما طال مرضها تاركا ورائى الدنيا مهما كانت مشاغلى... وجددت نيتى وعزمى على ذلك ثم دعوت الله عز وجل أن يوفقنى لهذه النية وأن يحسن عملى معها فامتلأت نفسى براحة وعزم كبير... جددت نيتى ولم أعرف فى تلك اللحظة أنها تتهيأ بعد عدة ساعات لرحلتها الأخيرة فكان نيتى التى جددتها هذه الليلة من أرجى مافعلت أسأل الله قبولها... ثم بدا لى أن أقرأ سورة ياسين... وبدأت فى تلاوتها حتى وصلت إلى الآية الكريمة... ( قيل أدخل الجنة قال ياليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين )... ثم توقفت وقد بلغ منى جهد السهر مبلغه فنمت...

 

فى الصباح استيقظت على نداءها... هرعت إليها قلت: نعم أمى... قالت: أجلسنى... أجلستها وسألتها تريدين ماء؟... فلم ترد ناولتها رشفة صغيرة جدا ثم ضممتها إلى صدرى بحنان وحب... ووضعت رأسها على كتفى وألهمنى الله تعالى أن ألقنها الشهادة... مرات عديدة قائلا لها إن لم يستطع لسانك قولها قوليها بقلبك ورحت أرددها ثم بدأت فى تلاوة أدعية... اللهم إنها أمتك بنت أمتك ناصيتها بيدك.... ماض فيها حكمك... عدل فيها قضاؤك... أسألك بكل اسم سميته لنفسك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به فى علم الغيب عندك أو أنزلته فى كتبك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبها وشفاء صدرها وذهاب غمها وحزنها... اللهم بشرها بروح وريحان ورب راض غير غضبان... اللهم ارحمها فإنه ليس لها سواك... اللهم اغفر لها وارحمها وعافها واعف عنها... وظلت فى حضنى أردد لها الأدعية ولا اعلم أننا فى مشهد النهاية والملائكة حضور من حولنا تشهد دعائى لأمى وتؤمن عليه... وتستعد لاستلام الروح بعد دقائق معدودة... ثم أعدتها إلى النوم... وقبلت يديها ووجهها وخرجت فى انتظار الخادم التى كانت تقوم على شأنها مع أختى... لم تلبث أن جاءت وسألتنى عن الوالدة قلت لها لا أعرف لم تعد تتحرك أو تتكلم فأسرعت إليها وفى ثوانى كانت قد خرجت إلينا قائلة: أمكم فى النزع الخير تسلم روحها... أسرعنا إليها وقد ارتجت الدنيا كلها حولنا فقد أتت اللحظة التى خفنا جميعا منها والتى تمنيت بصدق أن يتسابق الموت إلى ولا أرى تلك اللحظة... أمامنا كانت أمى تسلم روحها... عدة أنفاس قليلة أدركناها ثم تقلص خدها قليلا... وأغمضت عينيها ضاغطة ضغطة خفيفة... ثم سكنت أنفاسها... فألهمنى الله حمده فقلت وقد تشنج صوتى بالبكاء: الحمد لله... الحمد لله... الحمد لله... إنا لله وإنا إليه راجعون... إنا لله وإنا إليه راجعون... ووضعت يدى على كتف أختى.. والتى بدأت فى البكاء قائلا له استرجعى هذا وقت الصبر... فحمدت الله  واسترجعت وهى تشهق من البكاء... سكنت أمى للأبد... رحلت... طارت بجناحى الرجاء إلى ربها ملبية نداءه... طارت إلى هناك... بعيدا عنا... لتقطع المسافة من الدنيا للآخرة... بقلوب رضيت وسكنت لقضاء الله عز وجل جرت دموعنا غزيرة دون أن يصدر صوت واحد...

 

عاد السكون الجليل ليخيم على المكان واتشح الكون بالسواد وقبل حضور أحد انتهزت فرصة خلو المكان فتناولت المصحف ودخلت على أمى المسجاة تأملت وجهها الذى افترسه المرض فغير ملامحه... فملأه بالنمش وبرزت عظام وجنتيها وتحولت شفتيها إلى خطين أسودين... فقبلتها بحنان بالغ عدة قبلات على جبينها ثم بدأت فى تلاوة سورة ياسين حتى إذا وصلت إلى الآية الكريمة:... ( قيل ادخل الجنة قال ياليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين ) توقفت فقد جاءت طبيبة الصحة لإتمام الإجراءات... وهرعت خالاتى إلينا وقد هزهم الحدث فقد كانت أمى كبيرة العائلة والجميع يعتبرها أمه ثم تكاثرت النساء إلى البيت بهدؤ عجيب... وبدأت الإجراءات المتخذة فى هذه الحالة... وامتلأ البيت بالصمت فلاصوت سوى القرآن الكريم... يملأ الأرجاء ويلقى علينا السكينة والرحمة ثم بدا لى أن أتسلل مرة أخرى إليها لأتطلع إليها... وعندما دخلت عليها... كانت سورة ياسين تملأ جوانب الغرفة وكان القارئ يتلو الآية التى توقفت عندها مرتين... ( قيل ادخل الجنة قال ياليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين ) فابتسمت بحزن راعف... وحمدت الله عز وجل وخرجت وسورة ياسين التى تمنيت أن أقرؤها تملأ المكان بصوت عذب شجى...

 

كانت فى غسلها خفيفة المحمل طيبة الرائحة تقاصر وقت الغسل على غير العادة ووقف على غسلها نساء من أهل القرآن...  ثم نادوا على لألقى عليها نظرة الوداع فرأيت وجهها وقد أشرق وصفا وكأنها نائمة... اختفى كل النمش من وجهها وعادت شفتيها للاكتناز وكأنها صغرت خمسون عاما وضعت وجهها بين كفى وقبلتها فى جبينها وتأملت وجهها للحظة ثم انصرفت وسعادة غامرة تملأ قلبى... وخلت أننى أتوهم فسألت أختى وقريباتى ممن وقفن على غسلها هل مارأيته من صفاء وجهها وسكونه الجميل صحيح فأكد لى الجميع ماشاهدته وأكثر...

 

تقاطر الإخوان وجاءوا من سفر بعيد ليودعوا أمهم إلى مثواها الأخير تمنيت أن يحملوها فجاءنى بهم الله تعالى فحملوها وانزلوها من البيت حتى وضعوها فى السيارة ثم ذهبنا للمسجد... وفى المسجد وبعد صلاة العصر قدمت للصلاة عليها فوجدت بجوارها لفافة صغيرة... احترت ماهذه اللفافة الصغيرة ولم أعرف ولم يتسن لى أن أسأل فقد كبر الإمام لصلاة الجنازة فصلينا ثم خرجنا للمقابر لدفنها... فى جنازة مهيبة حتى وصلنا للمقابر... ثم تدليت إلى القبر لأتناول جثمان أمى الطاهر وأواريه التراب... ارتسمت على وجه الحزن ابتسامة مطمئنة وأنا أتناولها بين يدى وأضمها وأقبلها ثم نضعها على الأرض ونولى وجهها للقبلة... ثم كانت المفاجأة... حين ناولونى تلك اللفة الصغيرة فسألت ماهذا قالوا طفل رضيع متوفى جاء به أهله إلى المسجد فوضعوه بجانب أمى ليدفن معها... يالرحمة الله... فحملته بعناية ووضعناه بجوارها... فبدا المشهد كأنه أم نائمة بجوار طفلها... مشهد لا أنساه ماحييت... فكانت بشرى بالرحمة لها دلالاتها... وعلى قبرها ألقيت موعظة من أحد الإخوان... علق فى ذهنى منها الحديث القدسى:إذا ابتليت عبدى فصبر استحييت أن أناقشه الحساب فاطمأننت أكثر...

انتهت مراسم الجنازة وتفرق الجميع... وخلت الحياة من أحب الناس... وستشرق الشمس وتغرب... وستمر الأيام وتتوالى... ويبقى الحزن فى قلبى كالآثار الإنسانية

 

فى صباح اليوم التالى جاءتنى زوجتى مبتسمة وقالت أبشر لقد رأيت والدتك وقد ارتدت ثوبا جميلا نظيفا ووضعت طرحة الصلاة على رأسها وقد ابتسمت لى قائلة أنها ذاهبة للصلاة...

 

تمر الأيام... أحاول أن أنسى تلك الليلة... وهذا المشهد... كل المشاهد أحاول أن أجعلها مجرد حلم مر على فى نومى... هى الآن موجودة هناك... وأنا هنا... وإذا سافرت أنا لهناك... كانت هى بالتأكيد هنا... ستتصل بى فى أى لحظة لتطمئن... نعم سيرن جرس هاتفى الآن... لأسمع نغمتها المخصصة ست الحبايب... ياحبيبة... لتتجدد فى قلبى ... أحزان خاصة.

 

 

(2) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 07 مايو, 2007 03:40 ص , من قبل Essameldin
من كندا

السلام عليكم و رحمة الله وبركاتة
لله ما أعطي و لله ما أخذ وأن الي لله وأن اليه راجعون
الهم بدلها أهل خيرا من أهلها ودارا خيرا من دارها
الهم أحشرها مع النبيين والصديقين والشهداءوالصالحين وحسن اولئك رفيقا


اضيف في 24 مايو, 2007 03:16 م , من قبل esameldeen
من مصر

الأخ الحبيب عصام الدين
أشكر لك مرورك الحميم وعزاءك الطيب وجزاك الله خير الجزاء
وأعتذر لتأخرى فى الرد




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.