حديث الصباح والمساء
الدنيا قصة قصيرة
.
.

ياسمين والأسئلة

ياسمين والأسئلة

(1)

زهرة ياسمين .. جميلة .. فواحة بالعطر .. والشذى والبهجة .. والندى .. هكذا ألقى سواد عينيها هذا الإحساس في مشاعرى .. ولأننى عطر من زمان قديم اشتاق إلى نفحة من عطر جميل استأنست لهذه النظرة الساجية نحوى .. فاستأنست لحديثها المعطر برائحة الياسمين ..

غير أنها لما استأنست لحديث العطر القديم ورأت فيه عبق العطور من الأزمنة الجميلة الموشحة بالندى .. فاجأتنى بسؤال.. بدل أنسى خوفاً وغموضاً .. وحيرة .. وترددت تردد الخائف الوجل .. ولأننى منذ ألف سنة أصابنى سهم من سهام العشق فكنت مقتولاً بداء العشق .. تجرأت .. ولم أخشى أن يتحول الرماد إلى نار مرة أخرى .. فما اشتعل الرماد يوماً .. فاستجمعت عصارة عطورى القديمة لأجيبها فما استطعت .. وأصابنى الخوف والاضطراب أكثر .. غير أنى قلت لنفسى لتحرك رياح الخوف والقلق الرماد ما شاءت أن تحركه .. فهى لا تحرك سوى الرماد .. وأبديت تماسكاً فائقاً وشجاعة نادرة وسللت سيف قلمى لأتحلى قليلاً بالشجاعة .. وغمسته في شئ من العطر القديم.. وخلطته ببعض الرماد.. وبعض الحزن.

ثم كتبت آلاف الكلمات .. ومزقت آلاف الأوراق ووقعت مرة أخرى في الحيرة والارتباك ذلك أننى اكتشفت إنني أكتب أشياءً لا علاقة لها بالسؤال .. أو ربما لها علاقة وأنا لا أدرى من حيرتى وترددى .. لاحظت أن قلمى يكتب لامرأة من زمان جميل يستجديها أن تنقذه

وتمده بشئ من ذاك الزمان يضعه في الرد على هذا السؤال والذى تحول إلى معضلة .. ثم أمسكت به واقتدته إلى أحد السجون لأنه تجرأ وبدلاً من أن يرد على السؤال فاجأته وهو يرسم وجه امرأة على قصيدة عشق في عيون دافئة .. أذهله غموض سوادها وأسرارها .. وفى الزنزانة حاول أن يكتب الرد على السؤال .. فكتب موعظة بليغة في فلسفة الحياة .. والموت .. والشيب الذى غزا رأسه بجيوش لا قبل له بها .. وأنه دنا موعد الرحيل .. وأن الخريف مهما دار الزمان والأيام .. لن يجئ أبداً مع الربيع وما أنت إلا رماد حائر من بقايا حريق عن قليل سوف تذروه الرياح ..

أخرجت قلمى من سجنه لأحاول . وأجتهد أن ألملم هذا التردد وهذه البعثرة وأرد على السؤال لأن زهرة الياسمين بدأت تلح على الإجابة .. وهى لم تتعود أن تلح على أحد في شئ .. وكلما ألحت أشعر أن نفحة العطر .. والجمال.. والندى تعمل في الرماد عملاً لا تفعله الرياح ولا حتى العواصف.. وسننت سن قلمى وغمسته في تعويذة من زمان جميل .. وبعضاً من العطر الذى تبقى .. وبرغم التردد .. والخوف .. والرهبة إلا أننى استطعت بعد عناء تجاوز مشاعر السفينة المحطمة التى ألقى بها الموج على شواطئك مبعثرة قلاعها.. ممزقة أشرعتها.. عفواً لا تحاولى لملمتها فما جئت لذلك.. ولا تحاولى تضميد جراحها.. فنار الجرح والأحزان هى آخر ما تبقى لى من رحلة السفر الطويلة أستضئ بها في رحلة السفر الجديدة ربما أحتاج يوماً أرتاح فيه لحظة على جفونك قبل الرحيل.. فمنذ عصور قديمة لم أر العصافير الجميلة.. ولا الأغصان.. ولا الزهور.. ولا حتى الشجر .

**********

زهرة ياسمين .. زهرة فواحة .. جميلة .. تتحدى الشمس بألوانها.. وتتحدى كل عطور الأرض بأريجها .. تلتفت إليك بعينيها السوداوين متسائلة.. بسؤال لا تريد له إجابة .. ربما لأنها تعرف إجابته أو أنها تريد أن تحيل حياتك كلها إلى أسئلة .. فتلقى بك في بحار الحيرة .. فتستعين بكل جراح الحياة .. الطويلة وتسكب في أذنيها كل حكم الحياة فما تزيد عن أن ترسم على شواطئ شفتيها شبه ابتسامة .. ملتفتة إليك بسواد عينيها في نظرة غامضة.. فلا تدرى إن كانت قد رضيت أم أنها تأخذك مرة أخرى إلى دهاليز.. وطلاسم وسحر امرأة تعرف أنها معشوقة كزهرة ياسمين فواحة العطر.. والجمال .. والندى.. قولى بربك يا سيدة الياسمين .. كيف لهذه السفينة المحطمة التى جابت كل بحار الكون والتى ألقى بها الموج على شواطئك .. أن تلملم كل هذه البعثرة الجميلة من عينيك لترد على سؤالك ؟

***********

زهرة برية .. تعيش في مناخ قاسى .. وأجواء عاصفة في صحراء مترامية الأطراف خالية من قطرة حنان أو نسمات هادئة لم تعرف من الحياة إلا قسوتها . ومن هذه القسوة استوى عود غليظ ممتلئ بالأشواك الجارحة .. وتربعت على قمة هذه الأشواك زهرة صغيرة جميلة .. لها سحر المرأة الغجرية التى لا تعيش إلا في الصحراء مرتحلة وراء الماء الذى لا تجده في النهاية إلا بقايا من سراب .. لها نظرة نافذة إلى ضلوع القلب .. وقوة في نفسها مسيطرة تجرح كل من لامسها .. بحب أو ببعض ليس عندها ما تعطيه .. فما أخذت شيئاً لتعطيه .. ربما تجد لعيونها الآمرة سحراً خاصاً فتندفع نحوها .. فما تراك إلا صريعاً بين أشواكها ..هل كان هذا مصدر خوفى من سؤالك .. هلى أنت ياسمينة ممتلئة بالعطر .. والجمال .. والندى .. أم أنك زهرة برية قاسية .. جافة ارتديت ثوب ياسمينة ندية لتوقعى في حبائلك كل من يدنو منك .. أم أنك ياسمينة تحولت الحياة من حولك إلى قسوة خالية من الحب والحنان والدفء فارتديت ثوب زهرة برية لتواجهى الأجواء العاصفة والحياة القاسية من حولك ... هل هذه القسوة من صنع خيالك .. أم هى على الحقيقة ...أرأيت كيف تحولت كل الأشياء من حولى إلى أسئلة .. وهاأنذا أقترب من عينيك على حذر .. أحاورك.. وأحدثك لأعرف.. فلا تزيدى في كثير من الأحيان إلا أن ترسمى على شواطئ شفتيك ابتسامة غامضة لأعيش بعدها في طلاسم وتعاويذ امرأة امتهنت عينيها مهنة السحر فأحالتنى إلى الحيرة .. والغموض والأسئلة .

**********

زهرة برية في ثوب ياسمينة .. ياسمينة في ثياب زهرة برية .. من أنت ؟ ؟

كيف يجتمع العطر الجميل ويخرج من زهرة برية .. أم كيف تكون الياسمينة بكل هذه الأشواك ؟ ..

تدرين يا سيدة الياسمين .. الشوك .. والجراح ليسا من عمل الزهرة ..  تدرين .. والزهرة على أغصانها .. تراقص العصافير والفراشات.. جميلة.. رائعة مبهجة تشع على الروح عطراً وحناناً .. هى هى يا سيدتى في يد حبيب قطفها .. ليوصل رسالة بليغة إلى قلب حبيبة بلغة الورد والتى هى أبلغ لغة بين حبيبين .. أو هى هدية لمريض حاصره الموت من كل مكان فتزرع في روحه الأمل في قوة الحياة على الموت .. أو هى عرفاناً بجميل من نفس .. أصابها فعل جميل من نفس جميلة ..

تدرين كل هذا فعل زهرة وقد قطفت من على عودها .. وفارقت رقصة العصافير والفراشات .

تدرين يا ياسمينة .. لو ذبلت وتحولت إلى ذكرى في ثنايا خطاب .. أو رسالة في صفحات كتاب .. هى هى .. جميلة .. مبهجة ينسكب منها عطر الذكريات الجميل فتجرى دمعة ودودة من شجن التذكر ويصير الشوك الصغير في الياسمين هو عمل الخصام الجميل .. والعتاب الحنون بين عاشقين ..

هل يمكن أن تتحول زهرة ياسمين إلى زهرة برية لو تبدلت عليها الأحوال.. والأيام .. وتبدل الأحباب وتحولوا إلى ذكريات.. هى يا سيدة الياسمين .. ما زالت ياسمينة .

**********

لم يعد أمامى بعد هذه الحيرة .. والغموض والأسئلة الصعبة .. التى لا أعرف لها إجابة إلا بابك الموصود وهذا يا سيدتى ليس الأن من عملى .. ولا يمكن الاقتراب منه .. فهو كالاقتراب من المستحيل فما ألقتنى بحار الحياة سفينة محطمة على شواطئك إلا أننى كنت أهوى فتح هذه الأبواب .. والتنقل بينها فذلك أفتحه بنظرة .. وذاك بهمسة حتى نصبونى سلطاناً للحب على الأبواب الموصدة .. حتى كان يوماً فتحت فيه باباً فكان بداخله .. رأس تمثال لملكة فرعونية وبجانب هذه الرأس مرآة .. وكان تعويذة هذا الباب النظر في المرآة.. فما أن سقطت عينى على وجهى في المرآة حتى تحولت الملكة إلى امرأة.. إعصاراً كتب نهايتى .. سفينة محطمة ممزقة الأشرعة تجوب بحار الحياة الطويلة .. بلا موانئ ولا أرصفة انتظار .. ولا أى أماكن للراحة حتى ألقى بى الموج على شواطئك ...

**********

لو .. تسمحين .. يا سيدتى مليكاً طريداً يريد أن يغفو في عيونك .. لحظة قبل الرحيل .. أو .. أو .. يرتوى من عبير أزهارك .. قبل أن تأتى خيول الليل وتحملنى إلى سفر بعيد ..

لو .. تسمحين ..

 

 

 

(2) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 17 سبتمبر, 2006 06:09 م , من قبل عابر سبيل

بحر الحياه
لا أدرى ما الذى يشدنى ربما بصفة يوميا الى الإطلاع على مدونتك .
وكأنى أنتظر شيئا ما

والآن الآن فقط أشعر بأنى قد وصلت الى محطتى ، كنت أنتظر منك شئيا رائعا أروع وأبدع مماسبق ودونته .

ياسمين والأسئلة فهى رائعة بكل المقاييس
، ويعجز اللسان الآن عن التعبيير
بحر الحياه
أنتظر باقى الرائعة
تحياتى


اضيف في 21 سبتمبر, 2006 10:24 ص , من قبل عصام الدين
من مصر

عابر سبيل
مرورك يسعدنى بشكل لاتتخيله
وساواصل عرض ياسمين والأسئلة إن شاء الله انتظرنى




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.