حديث الصباح والمساء
الدنيا قصة قصيرة
.
.

الرمز الأسلامى فى أدب نجيب محفوظ رؤية نقدية للثلاثية

يظل نجيب محفوظ عبقرية فذة دون شك في بناء قصته .. وتشكيل أفرادها الظاهرية والباطنية .. تعيش في أجواء رواياته .. كأنك أحد أفرادها .. وتشعر بالأماكن والتفاصيل كأنك تحياها اللحظة .. يستخدم مفردات بسيطة يركبها فتصير بمعانى عميقة الدلالة لمتذوق الأدب . ساهم مع الكثيرين في تشكيل وجدان المواطن المصرى والعربى بالسلب أو الإيجاب فى أغلب ماكتب ..
ولا يدفعنا إعجابنا المتزايد كلما قرأنا له ألا تختلف معه فهو كأديب من أدواته ومفرداته واستطاع أن يصل إلى وجدان القارئ بصورة غير مباشرة ولكنها متغلغلة وابتعد عن المواجهة مع الآراء المخالفة له بالصورة المباشرة الفجة فكان تأثيره عميق عمقا كبيرا يحمل مخالفيه من الأدباء عبئا ثقيلا وأمانة كبرى فى تشكيل وجدان المواطن العربى للرؤية الصحيحة للمعتقد والسلوك.
وهذا البحث الصغير يتحدث عن رؤية نجيب محفوظ إلى الشكل الإسلامى للفرد والمعتقد من ثلاثيته التى تعد من أعماله الجليلة من الناحية الفنية تحدث من خلال الأشياء والأفراد عن غروب سلطة الدين على الأفراد وغلبة سلطة العقل .. لم يصرخ .. لم تخونه الألفاظ ولكن رسم لوحة بإتقان شديد لغروب معتقد وشروق آخر كما يتصور هو .. بسلاسة متناهية بمقدمات وسياقات تؤدى بتلقائية شديدة إلى نهايات يريدها.
شخصيات الثلاثية التى ترتبط بالدين هى :
السيد عبد الجواد – أمينة – الشيخ متولى – كمال – حفيدى السيد عبد الجواد .
كذلك لم يفوته وصف الأمكنة الإسلامية :
مآذن قلادون وبرقوق كأطباق المردة ساهرة تحت ضوء النجوم الزاهرة (بين القصرين ص7) .
وهناك ملاحظة عامة لم تفت نجيب محفوظ أن يرسمها وهى الخلفية العامة للوحة المجتمع في ذلك الوقت وهى هذا الكم من الانهيار الأخلاقى وخاصة في وسط النساء سواء من يعملن في حقل الدعارة أو من نساء البيوت المحترمة كذلك كل الرجال الذين يبدو مظهرهم محترم كأصحاب أخلاق ودين لا يتورعون عن فعل هذه الفواحش كحلقة أخيرة من انهيار معتقد وبروز آخر كما سنرى.
أمينة ..
هذه المرأة الخاضعة حتى المذلة كتعبير عن عصر سموه بعصر الحريم وربطه أغلب مثقفينا بوعى أو بدون وعى بالإسلام فهو رجلها فعليها بالطاعة بلا قيد ولا شرط حتى كرهت أن تكون حتى في سرها هذه المرأة التى تناقشه أو تراجعه.. لا تعرف من الدين غير دنيا الليل الحافلة بالأرواح والأشباح .. فتطوف بالحجرات تتفحصها خائفة تتلو ما تحفظ من القرآن دفعاً للشياطين .. ولا تنام إلا ولسانها لا يمسك عن التلاوة ثم يصور خوفها من الليل والشياطين الساكنة معها في البيت ولجوءها إلى الفاتحة والصمدية وللجوءها إلى دروع السور والأحجبة والرقى والتعاويذ ومع كل هذه الآيات فلم تكن تطمئن إلا بعودة رجلها السكير الغائب من سهرته .
وهى تخاطب الجن (ألا تحترم عباد الرحمن .. الله بيننا وبينك فاذهب عنا مكرما) (ص 8) .
تحترم زوجها بخضوع متناهى في أن يدخل من سهرته حتى تتولاه بعناية فائقة كأنها جارية وليست زوجة ولا ترى لنفسها الحق في الجلوس بجواره ولا الحديث حتى يتحدث هو ...
إذا استيقظ وجد كل شئ معد من أول كوب الحلبة حتى الحمام حتى الملابس .. لا يأكل أحد حتى يأكل ولايتكلم أحد حتى يتكلم ذلك السيد المبجل الرمز للرجولة والعبادة.
السيد عبد الجواد ..
رسم محفوظ أكبر شخصياته في الرواية بإتقان مذهل هذه الشخصية المركبة التى تحمل في حياتها هذا الرجل المملوء بالحزم والوقار والتزمت .. الممتلئ كذلك بالتحرر والفجور في آن واحد .. ولم يرسمها الكاتب من فراغ ولكنه بنى نموذجاً واضح المعالم (ثم جاء بسجادة الصلاة فبسطها وأدى فريضة الصبح بوجه خاشع غير الوجه البسام المشرق الذى يلقى به أصحابه وغير الوجه الحازم الصارم الذى يوجد به آل بيته .. هذا وجه خافض الجناح تقطر التقوى والحب والرجاء من قسماته المتراخية التى ألانها التزلف والتودد والاستغفار .. لم يكن يصلى صلاة آلية قوامها التلاوة والقيام والسجود ولكن صلاة عاطفة وشعور وإحساس يؤديها بنفس الحماس الذى ينفضه على ألوان الحياة التى يتقلب فيها جميعاً .. كما يعمل فيتفانى في عمله .. ويصادق فيفرط في مودته ويعشق فيذوب في عشقه . يسكر فيغرق في سكره مخلصاً صادقاً في كل حال.. هكذا كانت الفريضة حجة روحية يطوف منها برحاب المولى .. حتى إذا انفتل من صلاته تربع وبسط راحتيه وراح يدعو الله أن يكلأه برعايته ويعفر ويبارك في ذريته وتجارته) (ص 23) ، أى إنسان هذا الذى يحمل روح السكير والقديس في آن واحد .. بهذا الإخلاص .. أين هو ؟ من أين يأتى بهذا الصخب المتحرر ليلاً وقلبه مملوء بالحب والخشية من الله .. هذا التناقض المذهل ..
وما إن تتساءل هذا السؤال حتى يفجؤك الكاتب بالحوار الذى دار بين الشيخ متولى عبد الصمد وبين السيد عبد الجواد والذى عاتبه الشيخ على هذا الفجور والذى انتهى بتأمل السيد عبد الجواد بذاته وباطنه كان إيمانه عميقاً أجل كان إيماناً موروثاً لا دخل للاجتهاد فيه بيد أن رقة مشاعره ولطاقة وجدانه وإخلاصه اضفت عليه إحساساً رهيفاً سامياً نأى به عن أن يكون تقليداً أعمى أو طقوساً مبعثها الرغبة أو الرهبة فحسب وبالجملة كان أبرز ما يتميز به إيمان بالحب الخصب النقى... بهذا الايمان الخصب النقى أقبل يؤدى فرائض الله جميعاً من صلاة وصيام وزكاة فى حب ويسر وسرور إلى سيرة صافية وقلب عامر يحب الناس ونفس تسخو بالمروءة والنجدة جعلت منه صديقاً عزيزاً يستبق القوم إلى الرى من منهله العذب .
وبتلك الحيوية الفياضة المشبوبة فتح صدره لمسرات الحياة ولذاتها يهش للمأكل الفاخر ويطرب للشراب المعتق ويهيم بالوجه القسيم فينهل منها جميعاً في مرح وبهجة وولع غير مثقل الضمير باحساس خطيئة أو وسواس قلق فهو يمارس حقاً منحته إياه الحياة وكأنما لا تعارض بين حق الحياة على قلبه عن الله أو عرضته لنقمته أكان شخصين منفصلين في شخصية واحدة أم كان اعتقاده في السماحة الإلهية بحيث لا يصدق أنها تحرم هابتك المسرات جميعاً وحتى في حال تحريمها فهى حرية بأن تعفو عن المذنبين ما لم يؤذوا أحد ..
هذه الصلاة الخاشعة التى صلاها بالنهار هى التى تحدث معها في الليل مع زبيدة العالمة عندما قال لها أطمع أن نصلى معاً ؟ قال أتعنى يا صاحب لفضيلة الصلاة التى هى خير من النوم . قال : بل الصلاة التى هى والنوم سواء .. ولا ينسى سى السيد أن يستغفر الله أثناء الحوار ولا أدرى أأستغفر بخشوع أم بفجور .
ثم لا ينسى الكاتب أن يخرج على الخلافة الإسلامية عندما قامت زبيدة وانحسر فستانها الأحمر عن ساقها الأبيض المحلى بخلخال ذهبى فصاح أحدهم تحيا الخلافة وكان السيد يغمز ثديى المرأة بعينيه فهتف وراءه قل يحيا الصدر الأعظم . فإطلاق هذه الرموز على وصف جسد إمرأة هو إيماءة ذات دلال ومعنى .
أحببت أن أورد هذه النصوص رغم إطالتها قليلاً لأن نجيب كان يحاول أن يبرز هذه المواصفات في هذه الشخصية بوضوح شديد .. وهذا نموذج شاذ جداً في الحياة لا يحيا به إنسان سوى فإما يكون منافقاً شديد النفاق لا يتفق معه مسألة الخشوع في الصلاة أو يتوب ..
أما أن يعيش هكذا يحمل نفسين في جسد واحد والجميع يعرف ذلك فهذا ليس له إلا دلالة واحدة أن هذه الشخصية هى النتيجة الطبيعية لهذا الموروث الضخم من الدين الذى سيطر على عقول أجيال وأحال الرجال وإرضاء الرجال وصار الرجل بهذه الصورة سى السيد ..
كمال ..
الشخصية الحائرة في الرواية وحيرته يرسمها الكاتب بطريقة طبيعية فهى نتاج مجتمعه ..
من تربيته المملوءة بالغيبيات وانشغال حيز ضخم من مساحة تفكيره به .. وحواراته مع أمه حولها إلى الخوف الرهيب من أبيه وحبه وإعجابه إلى حد العبادة كما يقول محفوظ .
هذا النموذج كما أسلفنا هو التى استقر في نفسه إلى حد الراحة المتناهية أن هذه هى الحياة وهذا هو الدين والمزج بينهما على هذا المنوال لا يضير أحداً فصار نموذجاً للعربى المسلم عند كثير من الناس .. أما عند كمال فلم يكن كذلك بل أورثه حيرة .. وتعبا .. وسيل من المناقشات النفسية والأسئلة التى لا يقنع بالإجابة عليها وتجارب عاطفية وجسدية ألقته أكثر وأكثر في بحار التمزق ..
هذا التسلسل العجيب الذى رسم نجيب محفوظ من أول صفحة حيث المآذن كأطياف المردة حيث الغيب المرهوب والخوف مروراً بأمينة التى تمثل عصر الحريم الفاقع اللون إلى السيد عبد الجواد الذى يقترب من الله إلى حد الخشوع والذلة بين يديه هو هو الذى يتعامل مع النساء كأنه شهريار بلا أدنى إحساس بالذنب الذى ضاجع أغلب نساء القصة هذه الصورة المجتمعية في وقت كان العالم كله يموج بالأفكار الجديدة والتى تأثر بها تأثيراً واضحاً .. خرج كمال نشأ وترعرع وكبر في هذا الجو فنتج عنه إنسان حائر ضائع لا يعرف هدفاً ولا طريقاً وظل هكذا إلى آخر صفحة في القصة .. لم يتركنا نجيب هكذا حائرين مثل كمال ولكنه كان قد رسم الطريق بوضوح وحرفية عالية فيتشعب من كمال طريقين يتمثلان في إبنى أخته يتجه الأول إلى الشيوعية حيث كانت فكرة وليدة تقوم على شعارات ضخمة رنانة تعجب البسطاء والفقراء وكثير من المثقفين المقطوعون عن ماضيهم بفضل سى السيد .. وأمينة .. والشيخ متولى صانع الأحجبة ويتطلعون للبحث عن مجتمع أفضل يثور على التقاليد البالية الموروثة من العهود الغابرة .. أما الآخر فإلى الاخوان المسلمين حيث كانت حركة وليدة قامت لمحاولة إعادة إحياء هذا الماضى البعيد .. مع أى الصورتين يقف نجيب محفوظ .. هذه المرة نتساءل لأن الرسم النهائى لهذه الصورة سيحدد تماماً ما يريد أن يقوله ولكن ليس من الغباء بحيث يرسم صورة جميلة وأخرى قبيحة .. رسم الصورتين بعناية فائقة و ألقى ضوءاً بالاشراق والسرور على صوره وعلى الأخرى كانت الألوان قاتمة فيها إيحاء بتكرار نموذج سى السيد وأمينة .. ومآذن كمردة الشياطين ..
فالشيوعى .. مكلل بعناوين رنانة وألفاظ شابه متوهجة طموحة .. ها هو يعمل صحفى يحب صحفية مثله حب طاهر برئ لم تتمكن منه الشهوة بل لم يقبلها سوى قبلة واحدة كانت على جبينها ما أحلى هذه الصورة وما أحلى حزمة الضوء الملقاة عليها .. أما الاخوانى ..فشيخه خطيب مفوه حاد النظرات والملامح أفكاره أيضاً لها رنين وصدى .. لم يعبث بها نجيب أبداً ولم يضف لها أفكاراً من عنده بل أوردها كما كتبها منشئ هذه الحركة (الشيخ حسن البنا) ولكن حرك أفرادها في الاتجاه المظلم فهذا الشاب مع عبادته وقربه من الله لم يستطع كبح جماح شهوته فهو يقابل بنت الجيران تحت سلم البيت ليمارس معها الفاحشة ثم يؤنبه ضميره .. فيستغفر كما استغفر جده من قبل ثم لا يجد حلاً لإطفاء هذه الشهوة فيطلب من أبيه أن يدركه بالزواج والسؤال الذى يطرح نفسه لماذا يرسم كتابنا صورة الإسلاميون شهواتهم مهتاجة دائماً .. إذا كانت الإجابة بأن الكبت الذى ينتج شخصية متزمتة .. فالسؤال الآخر الذى يلاحقه أين يفرغ الآخرون هذه الطاقة لديهم .. ؟
إن التلاعب بالألفاظ لاغراء السذج أصبح هو السمة السائدة لدى النخبة المثقفة التى تدعو للإباحية وتنبذ الدين من وراء ستار أما نجيب محفوظ فلم يفعل ذلك بنفس الصورة ولكنه كان يتكلم عن مستقبل كامل لأمة عليها أن تختار بين اتجاهين .. وها هما الشابان يدخلان السجن وينامان وسط المساجين .. الاخوانى .. يضيق من الزحام والحر .. ثم يصبر نفسه ويقول أنا هنا في سبيل الله . أما الشيوعى .. فينظر إلى الضوء القادم عبر النافذة الضيقة ثم ينظر إلى الناس ويقول أنا هنا .. من أجل هؤلاء .
وعاش نجيب محفوظ ولا شك أنه رأى اختيار الأمة للوحة أصلية ذات ألوان جميلة مشرقة موغلة في التاريخ.. رآها تختار لوحة غير اللوحات التى رسمها عبر قصصه الطويلة لدرجة أن أحد المثقفين سأله وقال ماذا أضافت مصر للإسلام عندما دخلها ، فقال وكأنه رأى اللوحة الأصلية أخيراً : لا يستطيع أحد أن يضيف على الإسلام شيئاً فهو دين كامل .. أو كما قال.

(2) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 09 سبتمبر, 2006 10:07 ص , من قبل عابر سبيل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لايفوتنى أن أول أولا مبروك على هذه المدونة الجميلة ، المليئة بالمثاقل القيمة . دُمت أديبا إن شاء الله .
بحر الحياه
قرأت هذه الرؤية ، لقد تفوق نجيب محفوظ على نفسه وكذلك أنت حين :
قال لايستطيع أحداً أن يضيف على الإسلام شيئا فو دينُ كامل .
وأنت حين إختتمت المقال بهذه العبارة .

ومع أرق التمنيات ، أرجو لك مزيداً من التألق والإبداع


اضيف في 10 سبتمبر, 2006 11:58 م , من قبل عصام الدين
من مصر

عابر سبيل
لو تعلم مدى سرورى بمرورك على مدونتى
أشكر لك حضورك
وتعليقك البديع
شكرا لما لانهاية




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.