حديث الصباح والمساء
الدنيا قصة قصيرة
.
.

جوائز السماء

كيف يمكن لإنسان خلق الله له عينان أن يغمضهما عن الاستمتاع بحلو الحياة؟.... وأذنان أن يغلقهما عن عذب الكلام؟.... كيف يتسنى له أن يمر على عطر الحياة فلا يتنسمه بعمق ليتغلغل فى خلاياه ويعربد فى مشاعره؟.... كيف يحتمل أن يترك الربيع يمر على شفتيه بدون أن تورق عليهما أوراق الياسمين؟... عشر سنوات كاملة مرت على وأنا مغمضة العينين عن جمال الحياة... لا أرى شيئا جميلا... ولا أسمع شيئا على كثرة ما قيل لى من عذب الكلام والغزل... حتى عطر الحياة توقف منذ عشر سنوات عند عبق زوجى المتوفى وحافظت عليه مشاعرى واختزنته على مدار عشر سنوات كاملة فلا أعرف غير عطره هو ولا أتذوق سوى عبيره هو... أما شفتى فحين توقف عندهما فصل الخريف تمسكت به فلم يغادرنى أبدا وعاشت شفتاى مطبقتان على البرد والوحشة... لم أسمح للربيع أن يمر ولا مرة واحدة عليهما... عشر سنوات كاملة منذ وفاة زوجى وكنت حينها لم أبلغ بعد الخامسة والعشرين... مرت على كأنها دهور متعاقبة من الحقبة الجليدية على أرض عمرى... لم يهتز كيانى لشوق ما مرة واحدة... لم تتمن نفسى... لم تحلم... لم تجرؤ أن تتحرك وتهوى...

طرقات خافتة على باب البيت كأنها تستحى أن تستعمل الجرس حتى لا تتسبب فى إزعاجى... من العين السحرية رأيت امرأة... قطبت جبينى محاولة التركيز أين رأيت هذا الوجه؟... عاودت الطرق الهامس... فتحت الباب... تلقفت وجهى بابتسامة طيبة من وجه شاحب يبدو عليه الإرهاق... بادلتها ابتسامتها الشاحبة بابتسامة مصطنعة ردا على تحيتها..
مساء الخير
أهلا وسهلا مساء النور
أنا جارتك الجديدة فى الشقة المقابلة
أهلا أو سهلا وحمد الله على السلامة تفضلى
قالت بحياء : أنا آسفة لإزعاجك ولكنى كنت أحتاج لكبريت فقد وصلنا توا وعلى إعداد بعض الطعام
ليس هناك داع للاعتذار تفضلى
أحضرت لها علبة كبريت وانصرفت ورأيت أن من واجبى أن أجهز لها بعض الحلوى تحية على قدومها...
برغم تحفظى الشديد مع كل من حولى إلا أن قلبى انفتح لهذه المرأة جدا واتصلت أسباب القرب وتبادلنا الزيارات المتكررة ومما شجعنى على ذلك هو أن زوجها يخرج لعمله من الصباح الباكر ولا يعود إلا فى المساء كما أن لها ولدا فى مثل سن ولدى تقريبا وقد اقتربا هما كذلك وتصادقا وجمعهما تماثل العمر والهوايات فصارا لا يفترقان إلا عند النوم..
ذات يوم فوجئت بطرقات متوالية على الباب من يد ضعيفة ولكنها تدق الباب بعنف أسرعت وفتحت الباب لأجد ابن جارتى وقد غطت الدموع وجهه ومنعه نشيجه المتكرر من أن يوضح لى ما الأمر ولم أتبين سوى كلمة ماما يقولها متقطعة.... ما.... ثم يغلبه البكاء والنشيج ثم يتماسك وينظر خلفه نحو باب منزلهم ويكمل باقى كلمته الملهوفة... ما.... فتخرج ماما منه مؤلمة.... هرعت وراءه لبيتهم فوجدت جارتى ملقاة على الأرض... ذاهبة فى غيبوبة عميقة.
فى المستشفى جاء الزوج على عجل كان وجهه جزعا جدا لم تقاوم دمعتى مشهد وجهه الملهوف على زوجته حين رآها من خلف زجاج غرفة العناية المركزة....
فى اليوم التالى ذهبت لزيارتها وجدت زوجها جالسا فى الممر أمام غرفتها بدا عليه الإرهاق الشديد كأنه لم ينم الليل بطوله عندما رآنى هب واقفا وجاءنى معتذرا بشدة عما حدث وقال انه سيأخذ الولد اليوم إن شاء الله... قلت له لاعليك الأمر بسيط المهم أن نطمئن على زوجتك... كيف حالها اليوم؟... قال حالتها مستقرة وأنا أتوقع أن تفيق بين لحظة وأخرى أشاح بوجهه ناحيتها وقد اغرورقت عينياه بالدموع وقال أدعى لها بالشفاء...
مرت عدة شهور بعد تلك الحادثة عرفت بعدها أن جارتى مريضة بمرض عاص وأن أيامها فى الحياة متقاربة وأن جسدها النحيل المنهك... قدرته على المقاومة تضعف شيئا فشيئا... وقربنى مرضها هذا منها جدا حتى صارت لى كالأخت أو أقرب وساعدنى على هذا القرب وجود زوجها أغلب الوقت خارج البيت وصداقة ولدينا وكان القدر كان ينسج بحبكة ماهرة باقى الحكاية...
لم يكن لدى عقلى القدرة على استيعاب ما حدث الليلة حاولت للمرة المليون أن أرتب الأحداث لعلى استوعبها وأكون فكرة مبدئية عن رأى ولكنى لم أستطع.. كان السؤال الرئيسى والملح والذى ليس له إجابة كيف تقدم زوجة بهذه البساطة على طلب يد امرأة للزواج من زوجها؟.. نعم هذا ما حدث بالتحديد فى هذا المساء حين كانت تحادثنى عن زوجها وابنها وأنها تريد أن تطمئن عليهم قبل وفاتها التى باتت تشعر بدنو أجلها وأنها رأت بعد تفكير عميق واستخارة لله أننى أفضل زوجة يمكن ان ترعى زوجها وابنها ... وحين رأت حالة الاندهاش التى تكسو وجهى قالت فكرى على مهل والأمر بينى وبينك لا يعلمه إلا الله وسوانا... تمالكت نفسى قليلا وسألتها كيف تفكر زوجة بهذه الطريقة؟ ابتسمت وقالت أعرف أن ذلك يسبب كل هذا الاندهاش ولكن صدقينى لو انك فى مكانى وتكنى لزوجك حبا صادقا لما تمنيت له سوى السعادة ... ثم تنهدت وقالت السعادة التى حرم منها عشر سنوات كاملة منذ بدأ المرض يتسلل إلى جسدى وينهش فيه....
عشر سنوات كاملة.... ظلت كلمتها يتردد صداها فى أذنى وأنا فى حيرتى وأتساءل كيف تتشابك الظروف وتتشابه بهذه الطريقة؟... عشر سنوات من الحرمان والوفاء.....ثم تغزل الأقدار هذه اللوحة هنا وهناك لتتجمع فى لحظة ما من الزمن لتعطينا الفرصة إكمالها وجعلها متناغمة.... متناغمة؟؟.... كيف أفكر بهذه الطريقة وأنا المثقفة المتعلمة؟؟؟.... كيف أتصور أن أركب اللوحة بهذه الطريقة؟.... ولكنها فعلا متشابهة إلى حد بعيد... لا ليست متشابهة... الأمر لى وأنا راهبة فى محراب وفائى لزوجى وليس لدى الاستعداد النفسى لكسر هذه الرهبنة وليس لدى أى رغبة فى ان يلمسنى رجل آخر غيره... ولا أفكر فى ذلك... ولا أسمح لذاتى أن تتمنى أو حتى تحلم بذلك... هذا قرارى النهائى.

كانت جارتى من الذكاء حين أمسكت بكل خيوط نصف لوحتها الغير مكتمل كانت تدير الأمر بعاطفة مذهلة... فكل خيوطها لايمكن أن أرفضها... فقد أتت لى من الوجهة الإنسانية وابتعدت تماما عن الوجهة الحسية... ظلت تحدثنى عن ابنى وابنها وكيف تيتما ... ثم يسوق لهما القدر فرصة لم تتوفر ليتيم من قبل أن يستعيد أحداهما أم  والآخر أب... كانت تحدثنى عن زوجها الرجل الذى تحمل عن طيب خاطر كل مامر بها من اعتلال وتحمله الحياة معها بكل ود ورجولة وشهامة رغم أنه تحول إلى عازب فى الحياة معها ... ولكنه لم يمل يوما أو يضجر من خدمتها بل على العكس أعطاها من الحب والقرب والعاطفة المزيد والمزيد دون كلل رغم مشاغله المتعددة إلا انه لم يشعرها يوما بعدم وجوده أبدا...
لم تبد أى اعتراض على رفضى القاطع ولكنها قالت أريدك أن تفكرى بعقلك لا بعاطفتك استشيرى أمك... قفى بين يدى الله واستخيريه... كانت تدفعنى بهدؤ نحو هذا المثلث عقلى وأمى واستخارة ربى... وعندما رفضت الدخول قالت لم يعد لى سوى ضميرك... اسأليه لماذا يرفض التفكير بالعقل واستشارة أقرب وأصدق الناس إليك أمك... واستخارة الله سبحانه وتعالى؟؟ لأنه يعلم انه الطريق الصواب.... هكذا وجدت نفسى فى حصار هذه الزوجة وأمام وإلحاحها... وجدت أمى سعيدة بهذا الأمر... وعقلى يتقبل كل الافتراضات الموضوعية لإكمال نصف لوحتها الناقص.... وعندما وقفت لصلاة الاستخارة ارتعش جسدى بشدة وارتعد... كيف لى أن أجرؤ على الوقوف بين يدى الله لأستخيره فى الزواج؟؟.. وأنا متزوجة... وجاءنى عقلى قائلا أنت أرملة لا متزوجة...... قلت ولكننى لست محتاجة لهذا الزواج... قال عقلى... الذى يعلم هو الله لا أنت... اسأليه أن يشرح صدرك للحق ويهديك للخير......

كنت أتساءل بعد زواجى كيف استطعت أن أغمض عينى طوال عشر سنوات عن جمال الحياة والنور والبهجة؟... كيف استطاعت أذنى أن تتوقف عن سماع مواويل الأمل؟.. أما شفتى فقد اهتزت وربت حين انسكب عليها رحيق الحياة... وأورقت عليها زهور الياسمين والبنفسج المبهج... كنت أشعر بعد ليلة واحدة من زفافى البهيج أن رحلة الموت قد آن لها أن تتوقف... وآن لرحلة الحياة أن تكمل مسيرتها الطبيعية... رغم أننى فتحت كل أبوب عمرى للحياة بعد عشر سنوات كاملة إلا أن غصة مريرة مازالت فى حلقى كلما تطلعت إلى صورة زوجى المتوفى ويقفز السؤال كيف جرؤت على أن أفعل ذلك؟
ودارت الحياة دورتها... سعيدة مستقرة إلا غصة حلقى... كلما تطلعت إلى صورة زوجى المتوفى... المعلقة على جدار البيت... حتى لمحنى زوجى ذات مرة وأنا أتطلع إليها بعمق حزين... ضمنى إلى صدره وقال أنا فى صدرى نفس المرارة كلما تطلعت إلى زوجتى المريضة... ولكن هل يمكن أن نتجاوز يوما هذه المرارة؟
لم أقصر أبدا فى حق زوجته بعد زواجى بل على العكس فقد اقتربت روحينا أكثر وقمت على خدمتها بكل ما أوتيت من قوة واشتد عليها المرض فكنت أسهر أغلب الليالى معها... وذات ليلة قالت لى بصوت واهن أريد أن أسالك سؤالا؟ اقتربت منها وقلت لها أنا طوع أمرك إسألى قالت.. ما أكثر شئ ضايقك بعد زواجك من زوجى؟... ابتسمت لها وقلت الحمد لله لا شئ يضايقنى قالت أريدك أن تصدقينى مازالت شمعة حزن تضئ فى عينيك أريدك أن تطفئيها.. ضممتها وقبلتها ولم أستطع أن أمنع دموعى وقلت لها سأصدقك.. برغم أننى سعيدة ومستقرة وأشعر أن الله عوض ابنى عن أبوه وعوضنى عن فقد زوجى إلا أننى كلما تطلعت إلى صورة زوجى أشعر أننى قد خنته وخنت حبنا الكبير الذى نبت وكبر فى سنين زواجنا... ابتسمت و قالت بحنان بالغ تدرين كيف يكافئ الله تعالى الصابر الوفى؟... قلت متسائلة.. الصابر الوفى؟... قالت نعم كنت صابرة وفية كما كان زوجى صابرا وفيا... والله تعالى أكرم من أن يكافئ الصابر الوفى بغير الإحسان له أم تظنين أن الله يفعل غير ذلك؟... ثم اعتدلت قليلا وقالت... يقول الله تعالى : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان... وتظنين أن يكافئ الله صبرك ووفائك بغير الإحسان إليك؟... قلت ونعم بالله... وصدق الله العظيم.. قالت إنها جوائز السماء تنهال عليك فاحمدى الله عليها قلت هامسة ومكررة... الحمد لله... الحمد لله.... وضعت رأسها على الوسادة مغمضة عينيها وقد أضاء وجهها بالرضا... وهنا دخل زوجنا علينا بهدوء هو والولدان ناظرا إلينا بعينين متسائلتين... قالت زوجته وقد أحست بقدوم أحد.... ما هذا؟...ملت على خدها فقبلته ثم إلى أذنها هامسة مبتسمة... إنها جوائز السماء

(3) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 16 يناير, 2008 08:55 م , من قبل أنثى

كم هو جميل أن يكون الوفاء رائدآ بين الزوجين
فهذا يزيد من الثقة ويزهر الأمان والإطمئنان إلى النفوس وتسير سفينة الحياة سيرآ سليمآ .

وجعت قلبى الله يسامحك .


اضيف في 16 يناير, 2008 10:55 م , من قبل esameldeen
من مصر

وهل أنا أكتب إلا لأوجع قلوب الناس؟
عندما اوجع قلبك أعرف أننى نجحت
وعموما سلامة قلبك من الوجع وربنا يسامحنا جميعا
شكرا لمرورك الجميل :) :) :)


اضيف في 17 يناير, 2008 03:10 ص , من قبل أنثى

أنت نجحت فعلآ
فى وجع قلبى وأكيد قلوب ناس كتير


ربنا يسامحنا كلنا




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.